التربية والمواطنة

بقلم : دكتور سامي نصار 
أستاذ أصول التربية – كلية الدراسات العليا - جامعة القاهرة

إن ما يشهده العالم العربي الآن من حضور للصراعات السياسية والدينية، والقتل والاقتتال على المذهب والهوية والطائفة بل والموقف السياسي أيضاً يعني، بما يدع مجالاً للشك، غياب ثقافة الاختلاف عن العقل العربي، وأن غيابها راجع بالدرجة الأولى إلى غيابها عن عدد من المنصات التي يمكن أن تنطلق منها الدعوة إليها، دينية كانت أم سياسية أم تعليمية أم إعلامية. وكان للتوظيف السياسي للدين والتوظيف الديني للسياسة أبلغ الأثر في شيوع منصات إعلامية وتعليمية تكرس كل جهدها لنبذ الآخر وكراهيته، ومحاولة طمس التباينات الثقافية بين البشر باعتبار أنها تملك وحدها الحق والحقيقة والمثال الذي يجب أن يسير عليه البشر أجمعون ولو بقوة السلاح. فهي لا تقبل الاختلاف الفكري أو التنوع الثقافي، وتنفر من الآخر وتنبذه وتتعالى عليه، وتقتله إذا لزم الأمر.

 

وفي عالم تتوارى فيه القيم العامة وتستطع الخصوصيات الثقافية، يصبح التنوع الثقافي حقيقة ماثلة لا نستطيع تجاوزها أو إخفاءها أو قمعها من أجل تأسيس تماثل كاذب، أو عمومية قاهرة تفرض ثقافة الأقوى؛ باعتبارها المثال والنموذج انطلاقاً من قاعدة الوحدة في التماثل Unity in Sameness.

 

ومن هنا يصبح التمسك بالدور التقليدي للتربية، والذي يبحث عن مجموعة من القيم ليحدد مضامينها، ثم يتولى التربويون نشرها، نوعاً من الهروب من المشكلة، أو لوناً من الـتأجيل الذي يؤدى حتماً إلى التأجيج، والدليل على هذا أن أي مشكلة لها أبعادها السياسية أو الثقافية أو الدينية عرقية تتفاقم، وتأخذ أبعادًا يكتنفها العنف بأشكاله كافة مادية كانت أم رمزية. ومن ثم فإن الحل يكمن في تغيير الطريقة التي يتم بها طرح القيم وثقافة المواطنة في مناهج التعليم، بحيث يصبح الحوار البناء والنقدي الداعم لثقافة الاختلاف هو الذي يتحتم على التربية أن تنهض به في عالم متعدد الثقافات وسريع التغير. 

 

ويشكل الحوار الثقافي ضرورة استراتيجية عالمية في مرحلة أصبحت فيها الثقافة نموذجاً تحليلياً للعلاقات الدولية/ ومفتاحاً لإداراتها وضبط توازناتها. وتنبع أهمية الحوار في هذا السياق من إدراك مكانة الثقافة في بناء الخيارات المجتمعية والإيديولوجية التي تشكل خصوصيات الأمم والبلدان، مما يؤهلها لأن تؤدى إما دوراً إيجابياً في تكريس قيم التواصل والانفتاح، أو سلبياً بترسيخ نوازع الخصوصية الضيقة والانغلاق على الهويات الإقصائية.

 

بيد أن هذا الحوار لا يمكن أن يكون فاعلاً إلا إذا استند إلى فهم دقيق وموضوعي لواقع التنوع الثقافي والاعتراف به بصفته الأرضية الموضوعية لتعدد النماذج الحضارية والمجتمعية، بدلاً من الأحادية الثقافية.

 

كما إن الحوار الثقافي يقتضى بداهة الندية والتكافؤ، أي قناعة الأطراف المتحاورة بحق الآخر في الهوية الخاصة، ورفض الأحكام المسبقة واستبعاد القراءات الفلكلورية والسطحية لثقافته وما ينتجه الخيال البشرى من صور محرفة للآخر.

 

ولابد في هذا السياق من رفض مقولة التفوق الثقافي للعنصرية التي تشكل الحاجز الحقيقي دون الحوار المنشود، كما يتعين التنبه إلى بعض الظواهر الثقافية المعيقة للحوار، ومنها نشر أنماط الثقافات المستنسخة، وإخضاع الثقافة للإيديولوجية الطاغية، وإتاحة المجال لتضخم ثقافة ما على حساب ثقافات أو حضارات أخرى. إن كل تلك الظواهر السلبية تحول جوهرياً دون تأسيس مفهوم الحوار الحقيقي الذي لابد أن ينطلق من مبدئين متلازمين هما: إعطاء الآخر حقاً مساوياً في النقاش، وإدارة الحوار على مرجعية الحجة والبرهان لا على سطوة العنف والهيمنة. 

 

علاوة على ذلك فإن حق الخصوصية والاختلاف لا يمكن أن يكون تعلّة للتنكر للقيم الإنسانية المشتركة، ولا مسوغاً لتبرير انتهاك كرامة الإنسان أو النيل من حقوقه. وإلا أصبح نقيضاً للمبدأ المؤسس أخلاقياً لحق التعددية والتنوع، أي مبدأ المساواة. ولابد من مراعاة الطابع الديناميكي الحي للخصوصيات الثقافية، بصفتها نتاج تجارب تاريخية حية، وحصيلة مسار امتزاج ومثاقفة مستمرة. 

 

في المراحل المبكرة من حقبة ما بعد الكولونيالية، ومع تنامي النزعة القومية وحركات التحرر في بلدان العالم الثالث، تبلورت أهداف التربية والتعليم حول تحقيق التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، ومن ثم قامت النظم التعليمية الوطنية بقمع كل أشكال التنوع والتعدد الثقافي داخل المجتمع من حيث اللغة أو الدين أو العرق أو النوع لصالح ثقافة واحدة مهيمنة.

 

ولكن الآن في ظل خطاب العولمة الكاسح يجب أن تعطى قيمة أكبر للتعلم من أجل الاختلاف Education for Difference، ومن خلال فهم الآخر وقبوله كما هو، وصولاً إلى الوحدة في الاختلاف unity in difference ، فنعلم أبناءنا كيف يفهمون ويتفهمون خصوصيات الدول المختلفة، ويعترفون بالتباينات الثقافية والاجتماعية والدينية والطائفية داخل المجتمع وخارجه باعتبارها عملية إنسانية، ومكوناً أصيلاً من مكونات الهوية الثقافية لأية أمة. 

 

كما أن على التعليم في هذا الصدد أن يتخلص من أفكار الإقصاء والاستبعاد القائمة على الشعور بالاستعلاء الثقافي والمعرفي، وأن تكون الممارسات اليومية في المدارس داعمة لهذا الاتجاه. 

 

وعلى التربية أن ترسخ فكرة الإيمان بالوحدة داخل التنوع، وبإمكانية قيام ذلك. وذلك من خلال النظر إلى الأهداف المشتركة التي تناضل الأمم المختلفة من أجل تحقيقها، الأمر الذي قد يجعل الوحدة أمراً ممكناً في إطار الاختلاف.

 

والأطراف المختلفة التي تقبل الوحدة لا تستطيع أن تنسلخ عنها لأن لديهم أهدافاً تتجاوز الأهداف الخاصة بكل جماعة، لكن لابد أن يكون لدى جميع الأطراف حلم كبير أو مدينة فاضلة تتوق الأطراف المختلفة إليها، ومن ثم يقبلون على تقديم التنازلات طواعية دون إجبار أو قهر أو استعداء أو استعلاء أو استجداء.

 

والمشكلة التي قد تواجهنا فهمنا الهوية وثقافة المواطنة فهماً ميكانيكيًا آليًا بمعنى أننا نظرنا إلى الثقافة السياسية، وكل ما يسهم في تشكيل الوعي السياسي والهوية الثقافية باعتباره يسير بشكل خطي من اتجاه واحد من المرسل إلى المستقبل الذي ليس له دور، أو بالأحرى، ليس له حق المشاركة في صياغة مضمون الرسائل الخاصة بالمواطنة المقدمة من الإعلام أو من المؤسسات التعليمية، ومن ثم فإن القيم السياسية التي يلتزم بها النظام الإعلامي والتعليمي تعكس إلى حد بعيد الرؤية الرسمية للدولة لما يجب أن يكون عليه المواطن ولما يجب أن تكون عليه المواطنة، وهنا يكمن الفرق بين الرؤية الرسمية للمواطن والمواطنة وبين رؤية المواطن لذاته ولحقوقه وواجباته كمواطن. 

 

وفي ظل حالة الاضطراب السياسي التي شهدتها الدول العربية، تبرز ظاهرتان تحولان دون تأسيس حوار وطني نقدي بناء يحترم حق الاختلاف:

الأولى: زيادة حدة الاستقطاب السياسي والديني والطائفي والقبلي في المجتمع العربي من خلال القنوات التلفزيونية الخاصة أو شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت. ومن ثم نشأت في داخل المجتمعات العربية ثقافات متضاربة مع بعضها البعض من ناحية، ومضادة للسياق المجتمعي العام ولهويته الثقافية من ناحية أخرى.

 

الثانية: زيادة سطوة الآلة الإعلامية

العالمية الممثلة لمختلف المصالح الدولية والاتجاهات الفكرية والسياسية، على عقول الشباب من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وهذا أدى إلى ظهور مفاهيم جديدة ارتبطت بالمواطنة، مثل: المواطنة عابرة الحدود والمواطنة العالمية والمواطنة الكونية التي يشارك فيها كل مواطني العالم. 

 

ولهاتين الظاهرتين تأثيرهما السلبي على المواطنة، فهما من ناحية تعملان على تشظيها إلى عدد كبير من الحقوق المتضاربة والانتماءات المتصارعة والهويات المتقاتلة، ومن ناحية أخرى تعملان على ذوبانها في السياق العالمي العام، وبالتالي يصبح تماسك المجتمع مهدداً. ومن ثم فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف يمكن للتعليم ترسيخ قيم المواطنة في ظل هذا التهديد المزدوج؟

 

إن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم مسبقاً تحديد طبيعة العلاقة بين الدولة والتعليم. بادئ ذي بدء فإن الدولة بكافة أجهزتها التشريعية والتنفيذية هي المسؤولة عن خلق روح الانتماء والولاء بين مواطنيها، وتعميق إحساسهم بالهوية الوطنية، وتمتعهم بحقوق المواطنة التي تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو اللغة، ومن هنا تسعى المؤسسات التعليمية إلى: 

 تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

 التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وكرامته.

 تعزيز التفاهم والتسامح بين جميع الأمم والجماعات الثقافية.

 تمكين جميع الأشخاص - على قدم المساواة - من المشاركة بفعالية في مجتمع حر.

 

وهنا يمكن القول إن أي عمل إعلامي وتربوي يسعى لتكوين الهوية الثقافية وترسيخ قيم المواطنة وثقافة الاختلاف عليه أن يسعي إلى تحقيق الأهداف التالية:

1. التركيز على المشترك الثقافي الذي يجمع بين المواطنين جميعًا والتوقف عن السجال الديني والطائفي والقبلي.

2. التأكيد على التنوع في إطار الوحدة، والاعتراف بالآخر.

3. التأكيد على حق المواطنين في المعرفة بغض النظر عن اللون أو العرق. أو النوع أو المكانة أو مستوى الدخل أو المهنة أو السنّ من أجل توفير أسس ومتطلبات التفاعل السليم والمتناسق للفرد والمجتمع في سياق العملية الديمقراطية، ويستهدف قبل ذلك تنمية شخصية الفرد وإحساسه بذاته وبكرامته وبقدرته على الإنجاز والتمتع بجميع حقوق المواطنة على قدم المساواة، وعلى قاعدة الإنصاف مع غيره من أفراد المجتمع.

4. تعزيز قيم العقلانية والتفكير العلمي.

5. تنمية التفكير النقدي، قيمة ومهارة وطريقة في قراءة العالم.

6. ترسيخ قيم الديمقراطية والحرية داخل المؤسسات التعليمية وخارجها من خلال الممارسة و المشاركة السياسية.

7. ترسيخ قيمة الحوار واحترام الرأي الآخر والثقافات الأخرى.

8. تكوين العقلية الإيجابية والمتفتحة والقادرة على التعامل والتعايش في عالم متعدد الثقافات.

9. تنمية قيمة حرية التفكير والإبداع في شتى مجالات الثقافة.

 

وفي ضوء القيم السابقة، فإن أي برنامج للتربية من أجل الاختلاف يقدم من خلال وسائل الإعلام أو المؤسسات التعليمية عليه أن يضع المبادئ التالية في الحسبان:

أولاً: أن التربية فعل سياسي، والسياسة فعل تربوي، ولا يمكن الفصل بين الاثنين، فكلاهما يستهدف المواطن كفرد وكعضو في جماعة. 

ثانيًا: أن برامج التربية من أجل الاختلاف ليست مجرد مجموعة من المعارف السياسية أو الاجتماعية تقدم للطلاب فقط في سياق المنهج الدراسي بأشكال مختلفة. إنها مجموعة متكاملة ومترابطة من المهارات التي ينبغي على الإعلام والنظام التعليمي ككل أن يعمل على تنميتها وتهيئته المجال لممارستها من خلال مشاركة نشطة وفعالة من جانب كل المشاركين، كما ينبغي أن تستوعب بشكل واضح ومحدد كل أشكال المشاركة السياسية بما تتضمنه من تفاعل مع المجتمعات المحلية والقومية والعالمية.

ثالثًا: أن التربية من أجل الاختلاف سوف تؤدى إلى تغيرات إيجابية في اتجاهات الشباب وسلوكياتهم ومواقفهم من الآخر مما يؤدى إلى التقليل من انفصالهم وعزلتهم عن المجتمع، في الوقت الذي تزيد فيه مشاركتهم في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في المجتمع.

رابعًا: تلعب التربية من أجل الاختلاف دوراً مهماً في تطوير الحياة الاجتماعية كتقليل حدة العنف من خلال تعليم الأفراد تقبل الآخر وترسيخ قيم التسامح ورفع مستوى المشاركة السياسية والعمل الجماعي والتعاوني.

خامسًا: ترفع التربية السياسية من مستوى وعي الشباب بالأزمات السياسية والديمقراطية في المجتمع والعالم بأسرة. 

 

سادسًا: هناك ثلاثة مسارات أساسية للتربية من أجل الاختلاف في ظل المتغيرات العالمية والمحلية:

1. المعرفة والفهم: وتتضمن الموضوعات التالية: حقوق الإنسان، والفروق القومية والإقليمية والعرقية والدينية، خصائص النظام السياسي، وأشكال الديمقراطية، والمجتمع الدولي ومؤسساته. 

2. مهارات الاتصال: وتتضمن مهارات التفكير في القيم المتعلقة بالتسامح وقبول الآخر، القضايا السياسية والأخلاقية والروحية والاجتماعية والثقافية، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، مثل قضايا النوع وتمكين المرأة، والاختلاف الديني والثقافي والسياسي، وذلك من خلال اكتساب مهارات تحليل المعلومات وتحديد مصادرها، والمشاركة في المناقشات والمناظرات.

3. مهارات المشاركة والعمل المسئول: وتتضمن مهارات الحوار والتفاوض حول اتخاذ القرار، والمشاركة المسئولة في أنشطة المجتمع المدرسي والجامعي، وكذلك الإسهام في مشروعات تنمية المجتمع المحلي والإقليمي والدولي في إطار فرق عمل تعكس التنوع الثقافي والسياسي على كل هذه المستويات.

 

وفي الختام، فإن الخروج من حالة الاضطراب السياسي والتعصب الطائفي والاحتراب الأهلي في وطننا بترسيخ ثقافة الاختلاف فكراً وممارسة، وهو جهد لن يقف عند حدود صفحات الكتب الدراسية بل لا بد أن يتعداها إلى جميع مؤسسات المجتمع، فالكتب الدراسية ما لم تجد بيئة داعمة تصبح خطرها على أبنائنا الذين سرعان ما يدركون أنها مجرد أدوات لا يرون لها أثراً أو مردوداً في الواقع المحيط بهم فيفقدون الثقة في المدرسة وفي المجتمع ككل.