المواطنة وحقوق الإنسان

بقلم : أ.د. أحمد زايد
أستاذ علم الاجتماع السياسي بكلية الآداب جامعة القاهرة

يتداخل مفهوم المواطنة مع مفهوم حقوق الإنسان تداخلاً كبيراً، بحيث يمكن القول أنهما وجهان لعملة واحدة. ونكتشف هذا التداخل عندما نرجع إلى تاريخ الاهتمام بكليهما؛ فالاهتمام بقضية حقوق الإنسان هو اهتمام بأن يكون للفرد هوية في مجتمعه، أي تأكيد على مواطنة الفرد وانتمائه إلى كيان اجتماعي أكبر. وعلى نفس المنوال فإن الاهتمام بعضوية الفرد في المجتمع "كمواطن" هو اهتمام بحقوق هذا المواطن بوصفه إنساناً بشراً، وهو اهتمام أيضاً بما يتوقع من هذا المواطن من واجبات يجب عليه أن يؤديها، في إطار عام من المسئولية الاجتماعية. ويحدث الالتقاء بين المواطنة وحقوق الإنسان بأي معني من معاني المواطنة. فإذا فهمت المواطنة فهماً قانونياً، فإنها تفهم علي أنها عضوية قانونية داخل الدولة، يكتسب من خلالها الفرد وضعاً قانونياً حقوقيا يرتبط بحمل الجنسية ووثائق الهوية القانونية وغيرهما. وإذا فهمت المواطنة بهذا المعني القانوني؛ فإنها ترتبط بالحقوق، فلا مكانة قانونية إلا وورائها حقوق مكتسبة أقلها الحصول على الوثائق المؤكدة للهوية القانونية. وإذا ما أتسع فهم المواطنة ليشمل العضوية في المجتمع، وما يرتبط بذلك من العمل والمشاركة السياسية والمشاركة في الفرص المختلفة التي يوفرها المجتمع، تأتي قضية الحقوق في الصدارة، حيث تعرف عضوية المجتمع عبر الاستحقاقات التي تخول للأفراد، للمواطنين، وعبر الواجبات التي عليهم أن يؤدونها. وإذا ما فهمت المواطنة على أنها القاعدة التي تتأسس عليها الدولة الوطنية، التي تشكل الوعاء الأكبر للانتماء، فإن الدولة الوطنية لا تستطيع أن تستمر في الوجود إلا إذا رعت الحقوق الإنسانية لمواطنيها. وأخيراً فإذا فهمت المواطنة على إنها طاقة انتماء تجعل الفرد مشاركاً نشطاً في حياة مجتمعه، فإن طاقة الانتماء هذه لا تشع ولا تؤتي ثماراً جيدة إلا إذا رافقتها حقوق مدنية للمواطنين؛ فالشخص الذي تسلب حقوقه، يتحول إلى شخص فاقد الانتماء، غير قادر على أن يشحذ همته من أجل الوطن. وبهذه الطريقة من الفهم نجد أن المفهومين يؤدي كل منهما إلى الآخر، فلا مواطنة بغير حقوق ولا حقوق بغير مواطنة.

 

ونستطيع أن نتتبع العلاقة بين المفهومين عبر مستوى آخر تاريخي، فالمفهومان يرتبطان ارتباطاً وثيقاً في الفكر السياسي الليبرالي. لقد نادت الثورات منذ القرن الثامن عشر (الثورة الفرنسية عام 1789م، والثورة الأمريكية عام 1765م) بالمساواة بين البشر، وتم الإعلان عن أن البشر قد خلقوا متساويين، وأنهم ولدوا ولهم حقوق طبيعية. ولقد دعت هذه الثورات في ذات الوقت إلى حرية المواطنين، وإلى أن المواطنين يتمتعون بحقوق متساوية في دولة وطنية موحدة. وعلى هذه الأسس جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن الأمم المتحدة عام 1948م، وأكد على مبادئ العدالة والمساواة في الحقوق، وهكذا استطاع الفكر الليبرالي الحر أن يبلور علاقة متينة بين المواطنة وحقوق الإنسان. بل أن التوسع في مفهوم حقوق الإنسان، والنظر إليه على أنه حق عام، يطول الأفراد في كل أنحاء العالم، قد أدى إلى التوسع في مفهوم المواطنة بحيث نتحدث الآن عن المواطنة العالمية، والتي تشير في أحد معانيها إلى التمتع بالمواطنة - ومن ثم الحقوق- في أي مكان في العالم. ويعد هذا أحد الأسس التي تحمي حقوق المهاجرين واللاجئين، الذين يشكلون أقليات في بعض البلدان. لقد أصبحت الحقوق _في ضوء هذا الفهم_ تقرر بالعقل وليس بالقرار السياسي. فإينما يوجد الأفراد وتحت أي ظروف، فلابد لهم من حقوق.

 

على هذه الخلفية نقدم هذا العدد من الدورية، الذي يناقش تلك القضية الشائكة في عدد من المقالات التي تعالج إشكاليات العلاقة بين المواطنة وحقوق الإنسان من زوايا عديدة. ولعل السؤال الأكثر بروزاً في هذا العدد هو: إلى أي مدى يتوافق دستورنا مع المواثيق الدولية المنظمة لحقوق الإنسان. ويحتوي هذا العدد على مقال يتناول هذه القضية ويؤكد عبر تحليل للنصوص الدستورية ونصوص المواثيق الدولية إلى أي مدى يكون هذا التوافق؛ حيث قررت نصوص الدستور المصري على مبادئ لحماية حقوق الإنسان وخصوصيته، وعلى المبادئ المنظمة لهذه الحقوق مثل الحرية والعدل والمساواة، وهذه قضية مهمة في مسألة حقوق الإنسان والمواطنة، فحقوق المواطنين يجب أن تنظم وتتأكد من خلال الدساتير، كما أن هذه الدساتير يجب أن تتوافق مع المتطلبات التي تفرضها المواطنة العالمية، التي تتكشف من خلال التوافق بين القوانين والنصوص الدستورية المحلية وبين المواثيق الدولية. وتكتمل هذه الرؤية من خلال ما يتم داخل المجتمع من إجراءات وتوقعات لحماية حقوق الإنسان، أو السعي نحو تأكيد إنسانية الإنسان بصرف النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو اللغوي أو الإقليمي. ومن هنا فقد احتوى العدد على مقال يحلل فيه المؤلف وثيقة الأخوة الإنسانية التي صدرت باتفاق بين الأزهر وبين الكنيسة المصرية. وهي وثيقة تعبر عن الإرادة المدنية للمؤسسات الدينية الكبرى. وأعني بالإرادة المدنية، في هذا السياق، رغبة هذه المؤسسات في أن تتجاوز الأطر الدينية الضيقة وتنطلق إلى الأفق العالمي، وتأكيد إنسانية الإنسان أينما كان، ولا مراء في أن هذه الإرادة هي أحد الوسائل الأساسية في مواجهة التطرف.

 

ولا شك أن التناول القانوني لقضية حقوق الإنسان في علاقتها بالمواطنة يثير إشكالية مهمة في القضية التي نحن بصددها. مفاد هذه الإشكالية يتمثل في التوازن القانوني بين الحقوق والواجبات، وبين الاستحقاقات والمسئوليات. ويحتوي العدد على مقالين يتناولان هذه الإشكالية. الأول يدرس الأبعاد القانونية للمواطنة، على اعتبار أن المواطنة هي بالأساس حق قانوني؛ مستجلياً طبيعة العلاقة بين المواطنة وبين الحقوق. أما المقال الثاني فإنه يتناول العلاقة بين ممارسة الحق وتحمل المسئولية عبر قراءة لبعض أحكام المحكمة الدستورية المصرية، وهذه العلاقة بين الحق والمسئولية هي الركن الأساسي في قضية حقوق الإنسان، فالحق لا يستقيم إلا في ضوء الواجب، والحق إذا ما ضاع فإن القانون يرده إلى أصحابه، وكذلك الواجب إذا ما اختل أو وهن أو هان على أصحابه، فإن القانون يعيده إلى صوابه. وهذه قضية تثير قضية أخرى تتعلق بمدى الانضباط في أداء الواجب نظير الحصول على الحقوق. إن هذا الانضباط لا يجب أن يرد إلى الانضباط القانوني فحسب، بل يجب أن ينبع من داخل الأفراد ومن ضمائرهم الشخصية. فالوازع الداخلى أقوى وأدوم من الوازع الخارجي، ويجب أن يكون هو المحرك الرئيسي في أداء الواجب. 

 

وتأتي قضية التربية والتعليم على رأس القضايا المرتبطة بالحقوق المدنية وبالمواطنة، فمن خلال عمليات التربية والتعليم، تغرس ثقافة المواطنة، وتزدهر ثقافة حقوق الإنسان، وفي هذا الإطار يأتي المقال الخاص بالتربية للاختلاف والمواطنة. وهذه قضية تربوية مهمة أثارت نقاشاً عالمياً ومحلياً. فالتعليم لا يجب أن يتجه نحو التكوين المعرفي والمهاري فحسب، بل يجب أن يتجه نحو بناء الإنسان على المستوى العقلي والنفسي والوجداني، ومن ثم فإنه -جنباً إلى جنب مع الأسرة ومؤسسات الاتصال الجماهيري- يتجه في كثير من البلدان نحو تكوين منظومة القيم الاجتماعية وعلى رأسها قيم المواطنة التي تتمحور حول قيمة الإيمان بمبدأ الاختلاف، الذي -إذا ما توفر- يؤدي إلى تكوين قيم الاحترام والتسامح والثقة والتعاطف. والحق أن دعم هذا النوع من التعليم كفيل بأن يخلق ثقافة محملة بالروح المدنية، تلك الروح التي يتأسس عليها الاجتماع البشري أصلاً.

 

ويشهد مفهوم حقوق الإنسان اتساعاً يوماً بعد يوم، يساعد على ذلك تنامي الخطاب العالمي والإقليمي حول حقوق الإنسان والمواطنة. ولقد أدى ذلك إلى أن يتجاوز مفهوم حقوق الإنسان الحقوق المادية الملموسة إلى الحقوق المعنوية كالحق في الكرامة والعيش الآمن والمشاركة. ولقد تضمن العدد الذي بين أيدينا مقالين يشيران إلى نوعين من الحقوق المعنوية. المقال الأول يتناول الحق في احترام الخصوصية الاجتماعية والثقافية. ويعد هذا حق أصيل يرتبط باستقلال الإنسان، وحريته في اختيار أسلوب حياته التي لا يجب أن يتدخل فيها الآخرون بأي شكل من الأشكال. وتنص معظم الدساتير ووثائق الحقوق المدنية على هذا الحق. ولاشك أن التنبه إلى مثل هذا الحق في مجتمع كمجتمعنا يعتبر أمراً بالغ الأهمية، حيث تسمح الثقافة السائدة بين الناس بالتدخل في الخصوصيات؛ مما يحرم الإنسان من هذا الحق الأصيل. ومثل هذه الثقافة يجب أن تحارب لكي يحل محلها ثقافة احترام الخصوصية وعدم انتهاكها بأي شكل من الأشكال. ويشير المقال الثاني إلى الحق في مواجهة الفكر المتطرف. والحقيقة أن تلك إشارة تستحق التأمل والمساندة، لأن المجتمعات الحديثة لا تعاني فقط من فقدان الخصوصية، بل تعاني أيضاً من انتهاك أمنها واستقرارها عبر التطرف، وما يترتب عليه من عنف وإرهاب. فالحق في مكافحة التطرف هو في نفس الوقت حق في مواجهة الإرهاب. ولاشك أن الوعي بهذا الحق، وانتشاره عبر الضمير الجمعي للأمة يحشد المجتمع ضد التطرف والإرهاب، ومن ثم يحميه من مظاهر عدم الاستقرار وعدم الأمن.

 

وأخيراً كان لابد من الإشارة إلى الجهود المحلية التي تبذل لحماية حقوق الإنسان، ومن ثم جاء المقال الذي يتناول المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر كنموذج لحماية حقوق المواطنة. وفي الاهتمام بمثل هذه التنظيمات المحلية التي تحمي الحقوق المدنية إشارة إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بوجود نصوص دستورية وقانونية أو وثائق دولية ولكنه يتعلق في الأول والأخر بالممارسات العملية التي بدونها لا تكون هناك حقوق ولا مواطنة.

 

ونتمنى أن يخدم هذا العدد بثراء مقالاته وثراء الأفكار التي تحملها الهدف العام لهذه الدورية التي ترقى بالخطاب الثقافي والأكاديمي والسياسي حول الحقوق المدنية.