قانون تنظيم العمل الأهلي 149 لسنة 2019 والمعايير الدولية خصوصية التطبيق

بقلم : د. أيمن السيد عبدالوهاب
نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية - رئيس تحرير مجلة أحوال مصرية

هل نحن أمام صياغة جديدة للقطاع الأهلي ومنظماته، سؤال يفرضه صدور قانون الجمعيات الأهلية الجديد 149 لسنة 2019، أم إننا أمام صياغة جديدة لرؤية وفلسفة ومنهاج عمل حاكم للعلاقة بين الدولة وأحد مكونات العمل الأهلي الرئيسة. فالقانون الجديد بما يحمله من مضامين تتجاوز القراءة المباشرة لنصوصه، يشير إلى عدد من النتائج والدلالات الحاكمة:

 

أولها، تتعلق بالرؤية والفلسفة، فقد استندت الدولة إلى منهاج المراجعة والتقييم وخاصة مع مقارنته بقانون 70 لعام 2017، وحفزت آليات الربط الهيكلي بين أدوار المنظمات الأهلية ومسئولياتها وأولويات الدولة واحتياجاتها، ودعمت الأدوار التنموية والمبادرات، وحرصت على التواكب مع اللغة والمعايير الدولية الحاكمة لمثل هذه القوانين.   

 

ثانيها، يرتبط بالعلاقة بين النص والتطبيق، وتلك إشكالية ممتدة ربما لا تقتصر على قانون الجمعيات الأهلية، لأنها ترتبط بميراث تاريخي، وتوافقات مجتمعية، وخبرات إدارية ومؤسسية، وسياق اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي، تجعل من انتقائية التطبيق، وإلزامياته، والتفسيرات المتعددة سبيلاً للتعامل مع القانون، ومحددًا لمقومات العمل الأهلي من ناحية، كما أن ضعف الأطر المؤسسية والهياكل الإدارية والميل للأعمال الخيرية والمساعدات الاجتماعية تمثل قيودًا أمام الحديث عن إمكانية أن يوفر القانون لوحده نقلة نوعية داعمة للمنظمات الأهلية ومحفزة لأجندتها التنموية الحقوقية من ناحية ثانية، أو الحديث عن فرص تعزيز النهج التشاركي بين الدولة والقطاع الأهلي بدون التوافق على خطوات هذا النهج الذي يجب أن يبدأ من التخطيط، وأن يشمل بناء قدرات ومهارات غالبية تلك المنظمات بحيث تتعمق أدواتها التنموية من ناحية ثالثة، وأن تتجلى بوضوح آليات مواجهة اختلالات التوظيف السياسي للمنظومة الحقوقية، والتوظيف الديني للعمل الأهلي وعلاقتهما بالأمن القومي المصري من ناحية رابعة.

 

ثالثها، تتعلق بإشكالية التقييم والمعايير الحاكمة لقطاع غير متجانس تتباين فيه القيم والأدوار والمسئوليات، ويشهد فجوة كبيرة فى القدرات والإمكانات بين منظماته، ويمثل مرآة للكثير من الاختلالات المجتمعية ومظاهر ضعفه، وبالتالي عند الحديث عن الأدوار والمسئوليات يجب أن نأخذ في الاعتبار أننا أمام منظمات تعبر عن درجة تطور المجتمع، وتمثل بعض جوانب المشاكل التي يُعاني منها هذا المجتمع، ومن ثم نحن لا نتحدث عن منظمات مجتمع مدني، ولكن منظمات أهلية تتركز غالبية أدوارها ومسئولياتها حول قضايا الرعاية والمساعدات الاجتماعية وتحكمها قيم التكافل والتضامن، وليس قيم الحرية والمساواة والحقوق إلا فى مساحة صغيرة جدًا. 

 

النتائج السابقة، رسمت في مجموعها غالبية ملامح العمل الأهلي وصاغت اختلالاته، وهو ما يجب مراعاته عند عملية التقييم للقانون من حيث تحديده للفلسفة والمسئوليات والأدوار والقيم، وفى هذا السياق، يمكن رصد عدد من الملاحظات والدلالات التي ارتبطت بالإطار التشريعي، وما عكسته سلسلة القوانين من ترجمة لتطور العلاقة بين الدولة والمجتمع وفي القلب منها العمل الأهلي.

 

أولًا: القانون وسياق التغيير

 

 انطلاقًا من رؤية مفادها أن القانون يُعني بإرساء القواعد المحددة للنسق الفكري والسياسي للمجتمع، وأنه يوضح حدود دور المنظمات الأهلية في المجتمعات وتجاه الدولة، يكون التوافق على الرؤية المشتركة محددًا ناظمًا لطبيعة علاقة الدولة بالمنظمات والتنظيمات الأهلية، وهو ما عبرت عنه الدعوات الرافضة والمتحفظة على القانون 70 لعام 2017، ودعوة رئيس الجمهورية إلى إعادة النظر في قانون الجمعيات الأهلية ووصفه بأنه "به عوار"، من حيث توافر حوار مجتمعي حول طبيعة التعديلات والبنود المطلوب تغييرها، ليظهر القانون الجديد مُعبرًا عن رؤية متوازنة ومتسقة مع متطلبات التنمية والأمن القومي، ومسايرة للفلسفة والخبرة القائمة، ومتوافقة مع السمة الوظيفية لعلاقة الدولة بالجمعيات – وإن كان بدرجة أقل – وهو مايتجلى بوضوح عند مقارنته بسلسلة القوانين المنظمة للعمل الأهلي (قانون 49 لسنة 1949، ورقم 66 لعام 1951، ورقم 384 لعام 1956، ورقم 32 لعام 1964، ورقم 153 لعام 1999، ورقم 84 لعام 2002، ورقم 70 لعام 2017)، حيث حرصت غالبية تلك القوانين على تنظيم علاقة الدولة بالجمعيات وليس علاقة الجمعيات بالمجتمع كما يجب أن تكون.

 

كما يمثل القانون خطوة أخرى متقدمة على طريق ترشيد وإصلاح العلاقة التي استندت منذ تنظيمها إلى استراتيجية الدمج الوظيفي والهيكلي، حيث اعتبرت الدولة الجمعيات الأهلية أحد أدواتها لتنفيذ السياسة العامة ورؤيتها لأولويات كل مرحلة، وهو ما يتجلى فيما شهدته هذه العلاقة من تطور من مرحلة الإشراف والتنظيم، إلى مرحلة الرقابة والتوظيف، إلى مرحلة الرقابة والإشراف، وما أضفته هذه العلاقة المتداخلة من ضعف وهشاشة على أجزاء كبيرة من المنظمات الأهلية على مستوى القيم والدور.

 

وهو ما لم يمتد إلى التطور الكمي، فالملاحظ أن التنامي الكمي لأعداد الجمعيات التي بلغت نحو 50 ألف جمعية أهلية، تُشير إلى أهمية السياق السياسي والبيئة الحاضنة على العلاقة الارتباطية بين التطور التشريعي وحركة العمل الاجتماعي، وهو ما يتجلى بوضوح في السنوات التسع الأخيرة، حيث قفزت أعداد الجمعيات الأهلية إلى 50572 جمعية وفقًا لإحصائيات 2019، في حين كانت 30214 جمعية في عام 2010، أي بزيادة تتجاوز الـ 67%، وكذلك شهدت الفترة البينية ما بين صدور القانون رقم 70 لعام 2017 والقانون الجديد زيادة مقدارها 2992 جمعية مقارنة بأعداد الجمعيات لعام 2017 حيث كانت 47580 جمعية. 

 

هذا التطور الكمي يحمل الكثير من الدلالات المرتبطة بآلية دفع العمل الأهلي، وغلبة المكونات التقليدية وثقافتها على منظماته، فضلاً عن تنامي وتيرة التوظيف السياسي والديني المرتبط بالسياق السياسي، ومحدد السياسات الاندماجية (تنظيميًا ووظيفيًا) مع مؤسسات الدولة وأجهزتها.

 

والحقيقة، أن قراءة خريطة الجمعيات الأهلية على مستوى التوزيع الجغرافي أو مجالات العمل الأهلي أو علاقاتها بباقي مكونات المجتمع المدني، تُشير إلى نتيجة أساسية تتعلق بضعف السياسة العامة للدولة وقدرتها على دعم أطر التنمية بالمشاركة مع القطاعين الأهلي والخاص، وضعف الهياكل الاجتماعية، ومحدودية الموروث الثقافي الداعم لتنظيمات أهلية حديثة قادرة على استيعاب قوى وواقع جديد ومتغيرات أخذت سبيلها داخل المجتمع.

 

وهنا يمكن الإشارة إلى تحدي أعمق وأوسع يطرحه القانون الجديد يتعلق بالعلاقة الارتباطية بينه وباقي القوانين المنظمة للتنظيمات والمنظمات الأهلية وغير الرسمية، وحدود قدرتها على صياغة وبلورة فلسفة واحدة متناغمة ومتسقة قادرة على تفعيل قوى المجتمع ومنظماته باتجاه بناء مجتمع مدني قادر على تعزيز بناء الدولة الوطنية وبناء الإنسان المصري وتمكينه، وكسر الحلقة المفرغة التي غلبت سمات الضعف والهشاشة على معظم مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، والتي جعلته قابل للتوظيف السياسي والديني، وقابل للاختراق، وداعي لثقافة وقيم تتصارع مع قيم وثقافة سائدة وراسخة في المجتمع.

 

ورغم الإقرار بأهمية القانون الجديد ومساهمته في تعزيز الأمن الاجتماعي من خلال تفعيل أدوار الجمعيات الأهلية في تلبية احتياجات المواطنين الأساسية، وسد الفجوة الناتجة عن تراجع دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، إلا أنه يمكن رصد عدد من السمات الرئيسية التي تعترض حدود فاعليته، منها: ضعف تأثير الجمعيات في السياسات العامة، وضعف موازنة علاقاتها مع الدولة.

 

فمن ناحية، يبدو أن الدور التنفيذي والخدمي الذي تقوم به غالبية الجمعيات الأهلية يُخرجها من دور الشراكة في صنع التنمية وسياساتها إلى كونها طرفًا مشاركًا، ومن كونها طرفًا ذا أنشطة دعاوية ودفاعية إلى كونها مجرد طرف مقدم للخدمات. ومن ناحية ثانية، بدا أن غلبة الطابع الخدمي قد أضعف الثقافة الحقوقية وهمّش الأدوار الداعمة لمواجهة مظاهر الخلل التي تكتنف المنظومة الحقوقية في جوانبها التكاملية والمتعددة، وذلك رغم التطور الذي شهدته بعض الميادين الدفاعية مثل قضايا البيئة وعمل الأطفال وحقوق المرأة التي تساير الاتجاه وأولويات العمل الحكومي. ومن ناحية ثالثة، تُشير الخبرة التاريخية إلى توافر خبرات ميدانية واسعة تسمح للجمعيات الأهلية بالمشاركة في عملية صنع السياسات وخاصة في مجالات رعاية الأسرة والصحة والأمومة والطفولة.

 

 وبالتالي، تبقى عملية زيادة المكون التنموي في أنشطة وبرامج الجمعيات الأهلية، مرتهنة بالقدرة على صياغة أطر تكاملية لدعم الأنشطة الخيرية والرعائية والمساعدات لكي تصب جميعها في أطر تنموية داعمة لبناء الإنسان المصري وتمكينه وعدم الاكتفاء بتوفير وتلبية الحد الأدنى من احتياجاته الأساسية.

 

وتقودنا المتطلبات السابقة، إلى مساحة أخرى عكسها القانون بشكل واضح تتعلق بقدرة القانون على تعزيز الأمن القومي ومواجهة مهدداته، وإن كان من الضروري أن تتضمن اللائحة صياغة أكثر تحديدًا في تحديد عناصر تهديد الأمن القومي ومواجهة الإرهاب، فمن شأن ذلك أن يُسهم في تعزيز الثقة بين الدولة وبعض مكونات المنظمات الأهلية، وخاصة تلك المعنية بحقوق الإنسان، لا سيما مع ما تفرضه المرحلة الراهنة من تهديدات تحيط بالدولة المصرية في محيطها الإقليمي والدولي، وبحيث لا تبدو قضايا مثل: التمويل الأجنبي (دولي وعربي) وتسييس حقوق الإنسان والتوظيف الديني والأمن الاجتماعي عناصر ضغط على الدولة، ولكن يجب أيضًا الأخذ في الاعتبار أن ترسيخ وتعظيم الدور المجتمعي في عملية البناء يتطلب تعظيم وتنظيم قدرات وموارد القطاع الأهلي، ومن ثم فرص الشراكة مع القطاع الحكومي، كمسألة حاكمة.

 

ثانيًا: القانون ومؤشرات القياس 

 

يُشير سياق التغيير الذي حكم عملية صياغة وإعداد القانون  149 لسنة 2019 إلى مسألة بالغة الأهمية، تتعلق بتوافر إرادة سياسية دافعة للتغيير، اعقبها حوار مجتمعي، ساهم بدرجة كبيرة في تحديد ملامح القانون، ودرجة تحفيزه للعمل الأهلي وتنظيمه، وبالتالي كان من الضروري تفهم نصوص وبنود القانون في إطار تطور العمل الاجتماعي، وكونه قانون ينظم أحد مكونات العمل الأهلي، وكونه كذلك معبر عن خطوة إضافية تحكم مسار العلاقة بين الجمعيات والدولة.

 

ورغم هذه التحفظات، فإن الحكم على القانون الجديد سوف يستند إلى المعايير الدولية الحاكمة لتشريح وتحليل القوانين المنظمة للعمل الأهلي وقياس تأثيراتها وحجم الإسهام من منظور درجة التحفيز وتوفير بيئة تشريعية جيدة وإيجابية. وهنا يمكن الاستناد إلى خمسة مؤشرات، هى:

 

الإخطار كمؤشر على حرية تكوين التنظيمات الأهلية، حيث نصت (المادة 2) على اكتساب الشخصية الاعتبارية فور إخطار الجهة الإدارية، ودون إحالة المستندات الواجب تقديمها لقرارات إدارية لاحقة، وإن اشترطت استيفاء كافة البيانات والمستندات المطلوبة وفقًا للنموذج المعد لذلك، ليحقق القانون بذلك مكسبًا مهمًا في حال تطبيقه بيسر، ومتجاوزًا ما كان يتضمنه القانون 70 من إجراءات تقربه من الترخيص أو التسجيل وليس الإخطار.

 

فتح مجالات العمل الاجتماعي والأنشطة أمام الجمعيات، حيث لم يتضمن القانون النص على مجالات بعينها (كما كانت في قانون 32 لعام 1964) فوفقًا لنص (المادة 14) أتاح القانون العمل في كافة الأنشطة التنموية، والتي تختارها الجمعية كمجالات خاصة بها ويتضمنها نظامها الأساسي. وإن ارتبط التقيد بالمناطق الحدودية – التى سوف تحددها اللائحة – والتى تتطلب موافقة المحافظ والجهات المعنية بالنشاط. كما تضمنت (المادة 22) النص بعدم جواز تخصص أماكن لإيواء الأطفال والمسنين والمرضى وذوي الإعاقة إلا بترخيص من الجهة المعنية بإصدار الترخيص.

 

حدود دور الجهة الإدارية ومساحة تدخلها على حساب المنظمات الأهلية، من منظور الرقابة والتقييد، نجد أنها ترتكز بشكل أساسي على ضوابط وقف نشاط الجمعيات وحلها وحل مجالس إدارتها، والتى تبرزها بوضوح (المادة 45)، وما تتضمنه من ذكر لمخالفة أحكام المواد (11، 14، 15 ،16، 21، 22، 23، 24، 29)، وما تقتضيه من وقف أنشطة الجمعية لمدة لا تتجاوز سنة وغلق المقر.

 

غلق المقر، تشير المادة الرابعة إلى حق الجهة الإدارية في غلق مقر أي كيان يُمارس العمل الأهلي منفردًا دون الحصول على ترخيص، أو يمارس نشاط يدخل في أغراض مؤسسات المجتمع الأهلي.

 

حق الضبطية، أعطى القانون من خلال (المادتين 29، 30) لممثلي الجهة الإدارية الحق من التأكد من مطابقة أعمال مؤسسات المجتمع الأهلي، وتوجيه الإنذار بإزالة المخالفة، وأن يوقف نشاط الجمعية لمدة لا تتجاوز سنة.

 

متابعة قرارات الجمعية، توضح (المادة 34) أحقية الجهة الإدارية في مراجعة الجمعيات في قراراتها التي تُخالف القانون أو النظام الأساسي، واتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في القانون، بعد المطالبة بسحب القرار خلال ثلاثون يومًا من تاريخ إفادتها به، وسماع رد الجمعية ومبرراتها. كما تعطى (المادة 31) للجهة الإدارية حق الاعتراض على الحساب الختامي وطلب تصويبه.

 

تدرج العقوبات، يعتمد هذا المؤشر على قياس درجة الملائمة بين العقوبات المنصوص عليها والمخالفات، حيث يظل الحرص على عدم تغليظ العقوبات هدفًا وسبيلًا لضمان استمرار الأنشطة، مع المحاسبة المتدرجة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إلغاء العقوبات السالبة للحريات هي من أبرز مزايا هذا القانون مقارنة بما كان في قانون 70، وأن العقوبات المالية التي اعتبرها البعض بمثابة رادع قوي للمحافظة على القانون، تُشير بوضوح إلى مسالب كشفت عنها عمليات الدعم والتوظيف السياسي والديني التى تقوم بها بعض الجمعيات لصالح تيارات وكيانات إرهابية وسياسية، وأدت إلى حل نحو 1640 جمعية. كما تعطي (المادة 49) الوزير المختص حق إيقاف النشاط المخالف مؤقتًا وتشكيل لجنة من الجهة الإدارية أو من غيرها لإدارة نشاط معين لحين صدور حكم المحكمة.

 

الاستناد إلى القضاء، حيث أعطى القانون القضاء حق الحل، وفقًا لما تنظمه (المادتين 47، 48)، كما تضمن حق الفصل في أحوال الأحكام بالإدانة، وكذلك الاعتراض على قرارات وإجراءات الجهة الإدارية واللجوء للقضاء، مثل الاعتراض على حق الترشيح.

 

ثالثًا: القانون وجودته

 

مع الإقرار أن معايير الحكم على القانون ترتبط بالأساس بقدرته على توفير قوة دفع للعمل الأهلي، وفى القلب منه الجمعيات الأهلية، وأن دلالات مؤشرات القياس والمعايير سواء كانت دولية أو محلية، ترتبط بالأساس بواقع التطبيق وخصوصيته وما يحمله من أفكار وقيم وممارسات. فالقضية ليست مجرد صياغة مواد قانونية تعبر عن مخاوف وهواجس قد يكون بعضها صحيح، أو فرض مواد لمحاصرة أنشطة أو حتى تميز أنشطة وأنماط من العمل الأهلي على حساب أنماط أخرى، في مقابل صياغة مواد تعبر عن آمال ونقلة نوعية مطلوبة في الفلسفة والقيم والأدوار لكافة مكونات التنظيمات الأهلية.

 

بمعنى أدق، أن الحاجة لأدوار العمل الأهلي التقليدية من عمل خيري وتقديم مساعدات ورعاية اجتماعية وقيم خاصة بالكفالة والتضامن لا تلغي الحاجة – بل على العكس – المُلحة الآن لدعم النمط التنموي والحقوقي للعمل الأهلي، وما يرتبط به من قيم مثل المسئولية الاجتماعية والمواطنة والتسامح والحوار والعدل، فالتكامل بين الأدوار والمسئوليات لتلك المنظمات، وسد الفجوة القائمة، لا تقع مسئوليتها على القانون فقط، فالثقافة الحاكمة والخبرة السائدة تحول دون مواجهة العديد من سمات الضعف التي تغلب على رؤية وأداء الجمعيات الأهلية وتطورها.

 

وهنا يُمكن الإشارة إلى أن درجة جودة القانون في هذا السياق، ترتبط  بالرسالة العامة التي حملها القانون مقارنة بالقانون السابق 70 لعام 2017، وترتبط بعدد من المضامين الداعمة للتعاون بين القطاع الحكومي والقطاع الأهلي، نذكر منها:

 

المبادرة الشخصية، أعطى القانون الجديد رقم 149 لسنة 2019 من خلال (المادة 13) إمكانية إقدام الأشخاص على إطلاق وتنفيذ مبادرة بعد الحصول على تصريح، مما يعمق من فكرة المسئولية الاجتماعية والمشاركة الفاعلة من جانب المواطنين، وهو ما لم تقدم علية القوانين السابقة.

 

تفعيل عملية التطوع، تضمن القانون في أكثر من مادة التأكيد على متطلبات تنظيم عملية التطوع وتشجيعها، بل أنه أفرد لها الباب التاسع (المادة 92)، كما تضمنت (المادة 77) أكثر من آلية ووسيلة للمؤسسات الأهلية لتقوم بتشجيع عملية التطوع والمتطوعين.  

 

الحوكمة والشفافية، اهتم القانون بتضمين قيم الحوكمة والشفافية سواء بإشارات مباشرة أو غير مباشرة، كما تبرزها (المادة 28) عبر التأكيد على ضرورة الالتزام بالشفافية والإعلان والإفصاح عن الأنشطة والميزانية ومواثيقها الداخلية، وتوفير المعلومات وتحديثها، وتوافر هيكل مالي وإداري كما تشير إليه (المادة 7) و(المادة 31).

 

الإعفاءات والمزايا، التي تحصل عليها الجمعيات، وتُسهم في دعم أنشطتها ورسالتها، والتي تتضمنها (المادة 17)، تُشير إلى تنوع وتتعدد هذه المزايا بالقدر الذى يُسهم في دعم الأنشطة وتخفيف الأعباء المالية.

 

نتائج الحوار المجتمعي، حيث ساهم هذا الحوار في بلورة العديد من المطالب والتعديلات التي شابت القانون 70، وتحفظت عليها العديد من القوى المجتمعية والسياسية والفكرية، ومن هذه المطالب: إلغاء "الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية" الذى تضمنه القانون السابق 70، ليحل محله "الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي" في القانون الجديد وفقًا للمادة 76،  وتختص الوحدة المركزية بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، كما تختص برسم ومتابعة إجراءات تطبيق أحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية والقرارات الصادرة تنفيذًا لهما، فضلاً عن بعض المهام الأخرى، ويُعد التطور الأساسي هنا مرتبطًا بالفرق في الرسالة والمهام، وطبيعة التشكيل والتبعية، حيث أن الوحدة تتبع الوزير المختص (وزير التضامن) وتعتمد على العاملين بالوزارة، في حين كانت صلاحيات الجهاز القومي أوسع وتأخذ الطابع الأمني بدرجة أكبر.

 

تُشير القضايا السابقة، إلى مجموعة من المطالب والسبل الداعمة لبيئة العمل الأهلي، إذا ما أُحسن تطبيقها وتحويلها إلى واقع وثقافة راسخة تحكم رؤية المنظمات والجمعيات الأهلية، كما تُشير بدورها إلى المنهاج التشاركي المنشود بين القطاع الأهلي والخاص والحكومي الداعم لنمط التنمية بالمشاركة، لذا فإن القانون يمكن أن يمثل خطوة متقدمة نحو إعادة تطوير العلاقة بين الدولة والجمعيات الأهلية تجاه عدد من القضايا: مثل تعزيز فرص الدور التنموي للجمعيات الأهلية، وتعزيز ثقافة التطوع، وتفعيل المبادرات الفردية، والاهتمام بمنهاج سد الاحتياجات، ومواجهة الكيانات الإرهابية، والحد من التوظيف الديني والسياسي ودون أن يخل ذلك بالدور الإشرافي والرقابي الذي تقوم به الجهة الإدارية.

 

إن عمليات التشخيص والتحليل لدور الجمعيات في مواجهة الكثير من المظاهر السلبية والتحديات المجتمعية، لا ترتبط بدور الجمعيات، ولكن بكونها مرآة عاكسة لحركة المجتمع والبيئة المحيطة بها، وهو ما يجب آخذه في الاعتبار عند تقييم الإطار التشريعى والقانوني الحاكم، والمطالبة بدور أكثر فاعلية تجاه هذه التحديات والقضايا المجتمعية. وهنا يُمكن التأكيد على مجموعة من العوامل: فهناك العديد من السلبيات والمشاكل المتعلقة بالرؤية والأدوار والمسئوليات المرتبطة بالنشطاء والقائمين على العمل الأهلي من ناحية، وهناك قصور في التطور والفاعلية ناتج عن انقطاع عملية بناء المجتمع المدني من ناحية ثانية، وإذا ما أضفنا التأثر بحالة الركود السياسي التي عاشتها مصر لفترات طويلة، وعدم القدرة على بناء نظام ديمقراطي من ناحية ثالثة، وتدخل الدولة وتوظيفها لمؤسسات المجتمع الأهلي كأداة من أدواتها من ناحية رابعة، وضعف المكون الثقافي والقيمي في العمل الأهلي من ناحية خامسة.

 

العوامل الخمسة في مجموعها توضح حجم القيود والتحديات التي أحاطت بعملية التطور الكيفي والأدوار والمسئوليات الخاصة بدور الجمعيات في مواجهة متطلبات المجتمع، وجعلت عملية التطور محدودة وقاصرة عن مواجهة ما يكتنف المجتمع من اختلالات ومظاهر سلبية. وهو ما يُعنى أهمية الوقوف على الدروس والخبرة العاكسة لتجربة العمل الأهلي في سياقاتها المختلفة، إذا ما كان الهدف تطوير مجالاته ودوره في بناء الدولة الوطنية وتحصين مجتمعها وتمكين مواطنيها.