واقع العمل الأهلي في مصر الفرص والتحديات

بقلم : د.هويدا عدلي
أستاذ العلوم السياسية -المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية

لعبت الجمعيات الأهلية فى مصر دورًا رعائيًا كبيرًا منذ نشأتها، تطور بتطورها. فالعمل الخيري كان أحد الأهداف الرئيسة للجمعيات الأهلية فى مصر تاريخيًا منذ نشأة الجمعية الخيرية الإسلامية 1878 وجمعية المساعي الخيرية القبطية 1881 وحتى يومنا هذا.  وقد  بدأت  كثير من الجمعيات التى تأسست بدافع العمل الخيري في العقود الأخيرة تغير من رؤيتها وتتجه إلى العمل التنموي أو تجمع بين الاثنين بدرجة أو بأخرى. وعلى أية حال، فإن الفكر التنموي الحديث يعول على دور فاعل للجمعيات الأهلية فى التنمية فى إطار شراكة مؤسسية مع الدولة والقطاع الخاص. وفى هذا الإطار يصبح السؤال المحوري الذي يطرح نفسه، إذا كنا نبحث عن هذا الدور الفاعل والمؤثر، والذى تمت الإشارة إليه بوضوح في رؤية مصر 2030، هل القطاع الأهلي في مصر بحالته الراهنة قادر على ذلك؟ وما هى متطلبات تحقيق ذلك؟ والحقيقة أن لهذا السؤال آوانه في اللحظة الراهنة، والتى تشهد ولأول مرة في تاريخ العلاقات بين الجمعيات الأهلية والدولة المصرية بعد 1952 فلسفة جديدة للعلاقة بين الطرفين، فيها مساحة من الحرية ودرجة من الثقة، يمكن البناء عليها من أجل بناء شراكة تنموية حقيقية فعالة ومؤثرة.

 

من أجل الإجابة على هذا السؤال لابد من إلقاء الضوء على الوضع الراهن للعمل الأهلي في مصر، وأهم إشكالياته مع العمل على تحليل الفرص والمخاطر من ناحية، ثم الولوج لمتطلبات تفعيل دور العمل الأهلي في تحقيق التنمية والتقدم فى المجتمع. هذه المتطلبات التى رغم تعددها، فإنها تنحصر فى أمرين أساسيين، يدور الأول حول طبيعة العلاقة بالدولة، في حين يتصل الثاني بالخصائص والعوامل الداخلية ذات الصلة بالعمل الأهلي ذاته.  وفي هذا الإطار سينقسم البحث إلى أربعة أقسام كالتالي:

 

- خريطة العمل الأهلي فى مصر: الكم والكيف

- الجمعيات الأهلية في مصر وقضايا الفقر والتنمية: المنهجية

- نحو منهجية جديدة للعمل الأهلي في إطار وضع أسس للشراكة المؤسسية: الفرص والمخاطر

- الخاتمة

 

خريطة العمل الأهلي في مصر "الكم والكيف":

 

شهدت الأعوام الأخيرة طفرة في نمو الجمعيات الأهلية في مصر، فقد بلغ عدد الجمعيات الأهلية المسجلة في وزارة التضامن الاجتماعى عام 2012 (37.500 ألف) جمعية أهلية، ارتفع إلى  (43.500 ألف) جمعية ومؤسسة أهلية فى عام 2013.  كما ارتفع هذا العدد إلى 50572 جمعية أهلية 2019. والملاحظ من هذا التطور الكمى أنه حدث في إطار القانون 84 لسنة 2002،  والذي كان محل انتقاد كبير من قبل كثير من العاملين في القطاع الأهلي باعتبار أنه كان يحوي موادًا مقيدة للعمل الأهلي بدرجة ما. بل الأمر الأكثر غرابة أن الفترة البينية ما بين صدور القانون رقم 70 لعام 2017 والقانون الجديد شهدت زيادة مقدارها 2992 جمعية مقارنة بأعداد الجمعيات لعام 2017 حيث كانت 47580 جمعية، مما يشير إلى استمرار النمو الكمي للجمعيات الأهلية بغض النظر عن الإطار القانوني ومدى ما يتيحه من حرية حركة. والحقيقة أن هذه النقطة الجوهرية هي المدخل المناسب للانتقال إلى نوعية وجودة العمل الأهلي القائم، ومدى قدرته على الاضطلاع بدور فاعل في عملية التنمية سواء بمفرده أو من خلال بناء الشراكات مع مؤسسات الدولة.

 

تتسم خريطة الجمعيات الأهلية بالتنوع والتعقد الشديد، على أساس مجموعة من المحددات أهمها: الحجم ونطاق العمل الجغرافي، وطبيعة الاقترابات الحاكمة للعمل ومن ثم التدخلات. فبالنسبة للحجم والنطاق الجغرافي للعمل، فهناك الجمعيات القاعدية الصغيرة والتي تنتشر في الريف انتشارًا واسعًا، ويطلق على عدد كبير منها جمعيات تنمية المجتمع المحلي، فلا تخلو قرية أو نجع أو كفر فى بر مصر من جمعية أو أكثر، وجدير بالذكر أن غالبية هذه الجمعيات تركز نشاطها على القرية أو النجع التي توجد فيه، كما أنها تميل للعمل الخيري بالأساس، غير أن الكثير منها يتم إنشاءه من قبل عائلات وأسر، فضلاً عن الصبغة الدينية للكثير منها، وربما المتغير الأكثر حداثة مقارنة بتقليدية المتغيرات السابقة، إن هذه الجمعيات القاعدية تحول جزءًا كبيرًا منها في السنوات الأخيرة  إلى وكلاء لبعض المنظمات الخيرية الكبيرة مثل بنك الطعام ودار الأورمان في توزيع الطعام والكساء على الفقراء في قرى مصر. وقد كان نتيجة ذلك تسيد التوجه الخيري الرعائي في العمل والابتعاد عن العمل التنموي الهادف لتمكين البشر، والذى كان قد بدأ يتغلغل في قطاع من هذه الجمعيات عبر الشراكة مع مؤسسات تنموية كبيرة وجهات دولية مانحة في العقدين الأخيرين. 

 

أما النمط الثاني وفقًا لمتغير الحجم ونطاق العمل فهو الجمعيات المتوسطة الحجم والتي في الغالب تتركز في المدن، أما النمط الثالث فهو الجمعيات الكبيرة والمركزية والتي تمتد أنشطتها إلى مناطق كثيرة وتتعدد فروعها في أماكن عديدة بين الريف والحضر، وهى قليلة العدد مثل بنك الطعام والجمعية الشرعية وجمعية أنصار السنة المحمدية وجمعية الأورمان والهيئة القبطية الإنجيلية وجمعية الصعيد للتربية والتنمية وغيرها.

 

وجدير بالذكر أن هذه الجمعيات تعمل في الغالب من خلال شبكة من الجمعيات القاعدية الصغيرة والمتوسطة، كما أنها تتمتع بمصادر تمويل متنوعة ومتدفقة سواء من الداخل عبر تبرعات رجال الأعمال والزكاة أو عبر التمويل من جهات مانحة دولية سواء حكومية أو غير حكومية. 

 

ينصب المحدد الثاني في تصنيف الجمعيات على مناهج واقترابات العمل، والحقيقة أنه على الرغم من وجود ثلاثة أجيال للمنظمات غير الحكومية على مستوى العالم، كان كل جيل بمثابة علامة فارقة في تغير ما حدث في النموذج التنموي، بدأت بالإغاثي ثم التنموي وأخيرًا الحقوقي أو الدفاعي، وهما الجيلين اللآتي اندمجا معًا من أجل ترسيخ نموذج التنمية المستندة للحقوق، فإن الوضع في مصر شهد تعايش الأجيال الثلاث معًا: الخيري/الرعائي والتنموي والحقوقي، مع محاولات للتوفيق والاقتراب تارة والابتعاد تارة اخرى. فهناك الجمعيات الخيرية أو الرعائية  والتي تتواجد في مصر منذ زمن بعيد، والتي تُمثل النسبة الغالبة من الجمعيات الأهلية، وهناك الجمعيات التنموية، وهو نمط ارتبط ظهور قطاع معتبر منه بتدفق التمويل الأجنبي للعمل الأهلي، وبعض من هذه المنظمات يتبنى منهجًا حقوقيًا في عمله التنموي أو ما يطلق عليه المنظور الحقوقي في التنمية. أما النمط الثالث وهو الأقل عددًا فهو الجمعيات الدفاعية والحقوقية والتي تهتم بموضوعات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن الجمعيات التي تهتم بحقوق فئات اجتماعية معينة مثل المرأة والأطفال والمعاقين وغيرهم. 

 

وإن كان هذا التصنيف لا يمنع أن تتواجد جمعيات أهلية تتبنى أكثر من اقتراب في العمل، فهناك جمعيات أصبحت تجمع بين الاقتراب الخيري والتنموي، وأخرى تجمع بين الاقتراب التنموي والحقوقي، والحقيقة أن هذا التنوع الشديد يُشير إلى عدم التجانس فى الرؤى والمصالح وغيرها من العوامل، مما يفترض عند الحديث عن تنظيم العمل الأهلي الأخذ في الاعتبارات هذه التباينات والاختلافات، وعلى هذا يتعين الإقرار بصعوبة تصور تصنيف جامع مانع للجمعيات الأهلية بين خيرية/رعائية من جانب وتنموية من جانب ثان ودفاعية حقوقية من جانب ثالث، حيث تتداخل الطبائع الثلاثة معًا، مع وجود غلبة لاتجاه على أخر وفقًا لرؤية المؤسسين للجمعية وخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ومع ذلك يظل الطابع الخيري هو المسيطر على عدد لا بأس به من الجمعيات الأهلية وبالتحديد الجمعيات ذات المرجعية الدينية، وهذا يُعد أمرًا هامًا إذا عرفنا أن هذه الفئة من الجمعيات الأهلية تضم جمعيات تتمتع بتمويل ضخم، أحد مصادره الأساسية الزكاة والصدقات، ويمتد نشاطها ليشمل عدد كبير من المحافظات، كما ينتشر أعداد المستفيدين من خدماتها ومساعداتها في أنحاء البلاد مع التركيز على المناطق الأكثر فقرًا وفقًا لخرائط الفقر مثل ريف الوجه القبلي، كما أنها تعمل مع شبكة كبيرة من الجمعيات القاعدية الصغيرة المنتشرة فى قرى ونجوع مصر.

 

من أبرز هذه الجمعيات بنك الطعام وجمعية الأورمان. أما فيما يتعلق بالجمعيات التنموية، فإنها تعتمد فى الأغلب الأعم على التمويل الأجنبي، وكذلك بالنسبة للجمعيات الدفاعية/الحقوقية. وفي ذات إطار تداخل الاقترابات معًا، فأنه يتعين الإشارة إلى أن الجمعيات الدفاعية والتي من مهامها الأساسية الاشتباك الإيجابي مع عملية صنع السياسات من أجل ترشيدها وضمان عدالتها، لم تنجح في هذه المهمة بسبب التوتر الذي ساد علاقتها بالدولة لفترات زمنية طويلة، كما أنها منفصلة أيضًا إلى حد كبير عن الجمعيات التنموية، وهذا حولها إلى صيغة أشبه بمراكز فكر أو مجموعات نخبة، تنتج كثير من الأبحاث والدراسات دون أن ينعكس ذلك على جودة وعدالة السياسات العامة ولا على مستوى فعالية وجودة  العمل التنموي على الأرض.

 

وفي إطار السعي للتفكير في مستقبل الدور التنموي للجمعيات الأهلية عبر الشراكة مع الدولة لابد من النظرة النقدية لمنهجية الجمعيات الأهلية الكبيرة والتي تقدم خدماتها سواء الخيرية والرعائية أو التنموية في محافظات متعددة. والحقيقة أن أهمية ذلك ليس مرتبط بطبيعة النشاط من عدمه ولكنه مرتبط بقدرات هذه الجمعيات وامتداد تأثيرها والذى يجعلها تُمثل تيارًا رئيسًا في العمل الأهلي في مصر، يصبغ ما حوله بصبغته. ويمكن الإشارة إلى مؤشرات ذلك كالتالي:

 

اتساع النطاق الجغرافي لنشاط هذه الجمعيات ليشمل عدد من المحافظات مع تركيز أكبر على محافظات الوجه القبلي وهى المحافظات الأكثر فقرًا.

 

الموارد المالية الضخمة لهذه الجمعيات سواء كانت تبرعات داخلية من أفراد أو رجال أعمال أو منح من منظمات دولية وجهات مانحة حكومية وغير حكومية.

 

العلاقات الجيدة مع مؤسسات الدولة، فهذه الجمعيات تعمل طيلة سنوات طويلة في إطار العلاقة المعقدة مع الدولة سواء في ظل القانون 84 لسنة 2002 وحتى بعد ما صدر القانون 70 لسنة 2017 ظلت تعمل حتى وإن عانت من معوقات إضافية نتيجة التوقف عن الموافقات على المنح الخارجية. والحقيقة أن هذا الأمر من المؤشرات الجيدة الأخرى على إمكانية بناء علاقات شراكة ناجحة مع المؤسسات الحكومية في ظل قانون أفضل لتنظيم العمل الأهلي، كما أن الواقع يُشير إلى أنه يوجد قدرًا لا بأس به من التعاون بين هذه الجمعيات والمؤسسات الحكومية وهذا ما يتضح في عديد من برتوكولات التعاون بين الطرفين. 

 

لا تختلف الأجندة التنموية التي تتبناها هذه الجمعيات اختلافًا كبيرًا عن الأجندة التنموية للدولة من حيث مكافحة الفقر والبطالة وتحسين التعليم والصحة وغيرها، وإن كان إسهام ذلك في تحقيق العدالة الاجتماعية مرهون بالتوصل إلى رؤية كلية للتعامل مع هذه المشكلات، تعالج الأسباب ولا تغرق طوال الوقت في مكافحة الأعراض.

 

اتسمت المنهجيات التي تحكم عمل هذه المنظمات بالتكامل إلى حد كبير بين التوجه التنموي والخيري، فمن يتركز غالب نشاطه على الخيري لا يهمل الجوانب التنموية. وكذلك بالنسبة للمنظمات التي تتبنى منهجية تنموية فإنها أيضًا تتسم بأنها ذات منحى حقوقي، ويتضح ذلك لدى المنظمات التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع الجهات الدولية المانحة.

 

تمتلك كل جمعية من هذه الجمعيات شبكة كبيرة من الجمعيات القاعدية في قرى ونجوع وكفور مصر من خلالها تحدد الفئات المستهدفة وتوصل خدماتها لهم.

 

وعلى الرغم من كل هذا يظل السؤال، لماذا في إطار كل هذا الجهد، لا يظهر تأثير قوى للعمل الأهلي في مصر في أحداث التنمية.

 

الجمعيات الأهلية في مصر وقضايا الفقر والتنمية:

 

تعد قضية الفقر من أكثر القضايا خطورة في المجتمع المصري، فهى قضية ذات علاقات وثيقة بالتنمية والاستقرار الاجتماعي والسياسي، وأيضًا العدالة الاجتماعية، كما أنها قضية ذات أبعاد متعددة، اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية، وعلى نفس المنوال تتنوع استراتيجيات التعامل معها وأيضًا الأطراف المعنية بها. ووفقًا للأدبيات التنموية الحديثة، يوجد ثلاث فواعل أساسية في عملية التنمية: الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص. وفي هذا الإطار برزت رؤى متعددة لكيفية ضمان تعاون الأطراف الثلاث معًا، وكان من ضمن هذه الرؤى فكرة الشراكة الاستراتيجية والمؤسسية والتي تقوم على علاقة لها طابع التعاون والاعتماد المتبادل بين الأطراف الثلاث، بشكل مؤسسي، وما يعنيه ذلك من توافر بيئة قانونية مواتية لبناء الإطار المؤسسي المطلوب للتعاون والشراكة.

 

ونعود إلى سؤالنا الذى طرحناه في نهاية المحور الأول، وهو رغم كل الجهود المبذولة من الدولة والقطاع الأهلي في مجال التنمية، فإن معدلات الفقر تتزايد. بالطبع الارتفاع الأخير في معدلات الفقر يرتبط جزئيًا بالإجراءات الاقتصادية التى تم تبنيها نتيجة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والحقيقة الإشارة إلى هذا الارتباط الجزئي مبرره أن تتبع معدلات الفقر في مصر منذ عام 2009 يشير إلى الارتفاع المتتالي لهذه المعدلات. فقد شهدت معدلات الفقر ارتفاعًا ملحوظًا من 22% 2009 إلى 25% في 2011 ثم 26.2% في 2013 ثم إلى 27.8% في 2015  ثم إلى 32.5% في 2017-2018، وذلك وفقًا لنتائج أحدث مسح للدخل والإنفاق في مصر وهو المسح الذي يصدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. تتفاوت معدلات الفقر وفقًا لمستوى التعليم ومكان العمل ومدى الاستقرار فيه وحجم الأسرة والمؤشرات الصحية.  

 

هناك عدد من التفسيرات، تُشير في مجملها إلى وجود خلل جسيم في منهجية التعامل مع قضية مكافحة الفقر، يشترك فيها غالبية الأطراف الفاعلة والمعنية بقضية الفقر سواء كانت مؤسسات حكومية أو جمعيات أهلية مع اختلاف الدرجات. أول هذه العوامل السطحية المفرطة في فهم ديناميكيات الفقر وإعادة إنتاجه. تتجسد هذه السطحية في ممارسات كثير من الجمعيات الخيرية المعنية بقضية مكافحة الفقر في اعتبار أن منح الفقراء الطعام أو الملبس أو غيره من الاحتياجات التي تبقيهم على قيد الحياة كفيلاً بمعالجة الفقر. والحقيقة أن محاولات الإفلات من الخلل برزت علميًا في طرح مفهوم الفقر متعدد الأبعاد، والذي لا ينكر الفقر المادي ولكنه يجبه كي يشمل كافة أنواع الحرمان التي يُعاني منها الفقير سواء كانت مادية أو تتعلق بالخدمات الأساسية، ومدى قدرته على النفاذ إليها على اعتبار أن الخدمات العامة المتاحة وذات الجودة هى إحدى استراتيجيات مكافحة الفقر.  

 

وهناك خلل آخر، يرتبط بما يمكن أن نطلق عليه أحكام حلقات الفقر من خلال الفجوات المركبة، فالفقر لا ينتج فقط عن فجوة ثروة بين الفقراء والأغنياء، ولكنه يتزامن مع ذلك عدد آخر من الفجوات: فجوة نوع – فجوة جيلية – فجوة جغرافية – فجوة جسمانية وهى الفجوات التي أشار إليها كلها تقرير التنمية البشرية مصر 2016، مما يستدعي مراعاة العلاقات المتداخلة بين الفجوات واحتياجات الفئات الهشة والتي تُعاني من هذه النوعية من الخدمات.

 

ويوجد خلل أيضًا ذي صلة بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر، والتي تمنع الجمعيات الأهلية كأحد تشكيلات المجتمع المدني من الاشتباك مع عملية صنع السياسات بما يؤدي إلى تبني سياسات أكثر عدالة وإنصافًا. والنتيجة أن الإسهام الأساسي والمتاح لهذه الجمعيات يقتصر على العمل على تخفيف عبء الفقر وليس القضاء عليه وتمكين الناس. فعلي الرغم من العلاقة الجيدة لهذه الجمعيات بمؤسسات الدولة، فإنها لم تسع في يوم من الأيام إلى التأثير على السياسات العامة وما يرتبط بها من تخصيص الموارد، وليس معروفًا سبب ذلك هل هو غياب الرؤية لديها عن العلاقة بين سياسات تخصيص الموارد وزيادة معدلات الفقر وتردي الخدمات العامة في هذه المناطق أم تجنب الاشتباك مع مؤسسات الدولة حول السياسات خوفًا من  إفساد العلاقات والخوف من أن يترتب على ذلك قيود على عمل الجمعيات. أما الجانب الأخير من خلل المنهجية فيرتبط أيضًا بالجمعيات الأهلية ويتمثل في عدم حرصها على تنظيم المجتمعات المحلية حول مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، بمعنى هل استطاعت هذه الجمعيات أن تعمل مع الناس من منظور حقوقي يُمكنهم من تنظيم أنفسهم في روابط أو جمعيات أو نقابات من أجل الدفاع عن مصالحهم. وهذا الأمر يطرح تحديًا هامًا وهو رؤية الجمعيات محل التركيز للمستفيدين: هل هم مجرد متلقين للخدمة أم شركاء في إدارة حياتهم ومجتمعاتهم. وبالطبع لا يمكن تجاهل الافتقار للتنسيق والتعاون بين هذه الجمعيات، فكل جمعية تعمل بمفردها مما يؤدى في نهاية الأمر إلى تكرار الجهود وعدم تكاملها.    خلاصة القول إن تعقد ظاهرة الفقر وتداخل أبعادها لا يتم التعامل معها من خلال رؤية تكاملية، تخاطب الفجوات المركبة، وتسعى للتنسيق بين الفاعلين: الجمعيات الأهلية والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، من أجل مكافحة الفقر والحد منه وليس إعادة انتاجه.

 

نحو منهجية جديدة للعمل الأهلي في إطار وضع أسس للشراكة المؤسسية: الفرص والمخاطر:

 

إن أي تحليل لواقع العمل الأهلي خلال السنوات الماضية لا يمكن أن يتجاهل تعقد العلاقة بين هذا القطاع والدولة كان يُمثل مصدرًا أساسيًا للخطر ويعوق احتمال بناء أي نوع من الشراكات، ومما لا شك فيه أن البيئة القانونية غير المواتية هي العنصر الأكثر بروزًا في هذا الشأن. ومع صدور دستور 2014 وما ورد فيه من مواد لتنظيم المجتمع المدني، راعت بدرجة وافية المعايير الدولية، لاحت فرصة فى الآفق لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، سرعان ما تم فقد هذه الفرصة بصدور القانون 70 لسنة 2017، وبصدور القانون 149 لسنة 2019 عادت الفرصة للظهور مما يقتضي البناء عليها، وتجاوز مجرد وجود إطارًا قانونيًا مواتيًا إلى تأسيس علاقة قائمة على الثقة بين الدولة والجمعيات الأهلية، وما يعنيه ذلك من تأسيس الإطار القيمي والأخلاقي للشراكة المؤسسية.

 

تتفرع المنهجية البديلة إلى قسمين: الأول معني بإعادة تأسيس/صياغة العلاقة بين الدولة والجمعيات الأهلية، والثاني يركز على التوافق على منهجية مشتركة بين مؤسسات الدولة والقطاع الأهلي من أجل مكافحة الفقر. بالنسبة للقسم الأول المتعلق بالعلاقة بين الدولة والقطاع الأهلي،  فلا بد من البناء على القانون الجديد واعتباره خطوة أولى لبناء الثقة من ناحية وأساسًا قانونيًا لوضع إطار مؤسسي للشراكة، ينطلق من أن مكافحة الفقر لن تنجح في مصر دون شراكة مؤسسية وحقيقية ومتوازنة بين الجمعيات الأهلية والمؤسسات الحكومية من أجل ضمان التكامل بين الأدوار من ناحية وضمان كفاءة الإنفاق ووصوله إلى مستحقيه من ناحية أخرى. هذا الإطار المؤسسي الذي يُمثل ساحة لاجتماع كل الأطراف المعنية بالتنمية من أجل وضع خطط التنمية والتفكير فى تعبئة الموارد والتنفيذ وأخيرًا المتابعة والتقييم، شريطة أن يتسم هذا الإطار المؤسسي بالديمقراطية ويخضع لنظام حوكمة جيد، يضاف إلى ذلك إدراك أن المساهمة الفعالة فى إنجاز التنمية مرهون بتجاوز الجمعيات الأهلية التصنيف الكلاسيكي لجمعيات خيرية وتنموية وحقوقية إلى صيغة تجمع بين الدور التنموي مع المجتمعات المحلية والدور الدفاعي مع مؤسسات الدولة من خلال توصيل مطالب المواطنين والدفاع عنها والضغط من أجل دعم القدرات الاستجابية لمؤسسات صنع السياسة.

 

مما لا شك فيه أن وجود الإطار المؤسسي للشراكة، يمثل فرصة جيدة لإحداث تعديل جوهري ومطلوب في منهجية التعامل مع قضايا الفقر والتنمية. تنطلق الرؤية البديلة المطروحة لمكافحة الفقر من ضرورة التركيز على ثلاث مجالات أساسية وهى التعليم والصحة والعمل مع اشتراط الإتاحة والجودة بالنسبة للصحة والتعليم، وتوافر شروط العمل اللائق بالنسبة للتشغيل باعتبار أن هذه المجالات الثلاث هى متطلبات التمكين من ناحية، وهي أيضًا الحقوق الأساسية التي تخاطب الفجوات المركبة السابق الإشارة إليها.

 

الخاتمة

 

إن القانون الجديد لتنظيم العمل الأهلي 149 لسنة 2019 فرصة جيدة لإعادة تنظيم عمل هذا القطاع بشكل يُسهم في عملية التنمية المستدامة من خلال شراكة حقيقية ومؤسسية مع مؤسسات الدولة، تقوم على المشاركة في صنع السياسات العامة منذ مراحلها الأولى والتي تتمثل في وضع الأجندة تحديد الأولويات مرورًا بالتخطيط ثم التنفيذ وأخيرًا المتابعة والتقييم. إن النجاح في الوصول لمثل هذه الصيغة كفيل بإحداث دمقرطة حقيقية في عملية صنع السياسة شريطة أن يكون الإطار المؤسسي للشراكة مفتوح لكل من يريد المشاركة، وأن يتم وضع معايير موضوعية لتشكيل مثل هذه الأطر المؤسسية للشراكة.